التخطي إلى شريط الأدوات

Robin Hood – 2010

“Rise, and rise again. Until lambs become lions.”

 

رمية الرمح تلك، بعد ساعتين من العرض وأكثر، تأتي متأخرة جداً يا ريدلي سكوت. فيلم (روبن هود) حسب رؤية السير ريدلي سكوت ما هو إلا محاوله غير شيقة للخروج عن نمطية الأفلام السابقة لهذه الشخصية، عودة إلى أتراب روبن الأولى كجندي ضمن الجيش الإنجليزي والحملة الصليبية الثالثة في محاربة المسلمين، واستعراض لبوادر الحرب الإنجليزية الداخلية، ولهيب الخيانة الفرنسية الإنجليزية وبذور الفقر المدقع؛ وعندما يخرج ذلك الرمح من بين أطراف روين هود، مشهراً عن بطولته الأولى، نكون قد فقدنا اهتمامنا بمآل هذا السهم. كيف للمشاهد أن يتحمس ويهتف لقضية بطل القصة الذي بدوره لم يصبح بطلا أو يعرف مهمته في الحياة إلا عند اللقطة الأخيرة من الفيلم! هل كنا نشاهد درساً في تاريخ روبن هود الخيالي؟  

بالفعل، لا يوجد مصدر واحد يؤكد قطعياً حياة روبن هود أصلاً، حكاياته وإنجازاته هي أساطير وخرافات تداولها الفلكلور الإنجليزي عبر التاريخ على أنه محارب قديم فذ حولته حكومته الإنجليزية الفاسدة في القرن الثالث عشر إلى لص فار من العدالة، بينما هو في الحقيقية كان يسرق من الغني ليعطي الفقير. هذه الحكايات قدمتها السينما الأمريكية والإنجليزية وتلفازيهما بدءًا من الأعمال الصامتة وصولاً للألفية الراهنة، وفي الإطار البطولي الذي يجب أن تُقدم به، بحيث تتمحور المجريات حول شخصية روبن هود، وتكون سماته الخاصة هي صلب الموضوع (علماً أن نسخة المخرجين مايكل كيرتز وويليام نايلي بعنوان “مغامرات روبن هود” لعام 1938 هي الأشهر وربما الأفضل بينهم). محاولة ريدلي سكوت وكتّابه في البحث عن تكوين مسام روبن هود والبيئة التي انحدر منها لا تعد جديدة في منهجها، إنها الآلية المعاصرة التي بات يعتمدها معظم مخرجي أفلام الشخصيات الشهيرة الكلاسيكية، تخصيص الجزء الأول لتعريف الجمهور على عقلية ومتاعب البطل القديمة، ثم ينطلق بالأجزاء التالية لندخل في حياة ومغامرات البطل (فيلم Batman Begins هو أقرب مثال). الغريب أنك بعد الانتهاء من مشاهدة (روبن هود) لن تشعر أنك عرفت الرجل أكثر من قبل، بالواقع، ستعرف قليلاً عن محيط روبن هود وأصوله وحسب، يبدو لي أن روبن هود لم يبدأ بعد.

العنوان الأنسب لهذا الفيلم هو (Robin Hood: The Series – روبن هود: المسلسل)؛ ليس فقط لأن النهاية توحي ببداية مسلسل سينمائي جديد (حسب ذخيرة الإيرادات، وهي غير مشجعة)، بل أيضاً لأن مشاهد الفيلم ككل تبدأ وتمر وتنتهي على نسق معين “واضح” من التصوير والسرد المتوقع سواءً من النواحي الدرامية أو التقنية. أحداث الفيلم تجري في القرن الثاني عشر، حيث يفتتح بقيام مجموعة من الأطفال اللصوص بسرقة محصول البذور التي تملكه عائلة لوكسلي. سرقة فقير لفقير آخر، تهيئة أولى مباشرة لموضوع الجوع الحاضر الغائب طوال مجريات القصة. غير أن الفيلم مهتم بمواضيع كثيرة، وبالكاد يعالج أي منها بشيء من التركيز أو بإيحاءات أكثر إلهاماً من جملة مؤثرة سريعة هنا، أو موقف إسقاطي هناك.

نتعرف على روبن “هود” لونغسترايد (راسيل كرو) أثناء إحدى هجمات القوات الإنجليزية على قلعة فرنسية يقودها ريتشارد القلب الأسد (داني هيوستن) ملك إنجلترا المضطرب والمنهك لكثرة وفظاعة حروبه العجاف. ثمة شيء في دخيلة روبن تجعله لا يشعر بالانتماء للأساليب والدوافع التي يحارب بها ومن أجلها، وآخر غامض من طفولته يطارد حاضره. يلاقي ريتشارد حتفه خلال أحد المعارك، مما يدفع روبن ورفقته للانسحاب من الجيش الإنجليزي والعثور على السبيل الأمثل لحياتهم الخاصة. وأثناء عودتهم، يعترض طريقهم جاسوس بوجهين يدعى غودفري (مارك سترونغ)، وجه فرنسي أصلي وآخر دخيل في المملكة الإنجليزية كمستشار للملك الجديد جون (أوسكار اسحق) الأرعن، غودفري هذا يهاجم مهمة جندي إنجليزي اسمه روبيرت لوكسلي كان موكل بنقل تاج الملك ريتشارد إلى أخيه كي يتسلم الحكم ويتوج بالعرش. مواجهة روبن ورفاقه مع هذا الفرنسي وأتباعه تنتهي بظفر روبن بالتاج وخدشه لوجه غودفري بأحد سهامه، ووعد يُطلقه لروبيرت أن يعيد سيفه لوالده وولتر (ماكس فون سايدو) في نوتنغهام.

بعد وصول روبن ورفقته إلى لندن منتحلاً شخصية روبيرت لوكسلي ليسلم التاج إلى مكله الجديد جون، يشرع بتنفيذ مهمته الأخرى بإعادة سيف روبيرت لوالده وولتر لوكسلي الذي يعيشه لوحده فاقداً بصره مع زوجة ابنه ماريون (كيت بلانشيت). هناك حيث الجوع يُطارد سكان المدينة، يقبل روبن عرض وولتر بأن يحل محل ابنه ويتزوج من أرملة ابنته كي لا تسلب الحكومة أرضه، وذلك مقابل أن يُطلعه أكثر على تاريخه وحقيقة والده الذي لا يزال يجهل كيف انتهت حياته وما الذي كان يُحارب من أجله. تبلغ الأمور ذروتها حين تنكشف هوية غودفري الجاسوسية وقيادته حرباً على إنجلترا وثأراً من روبن، بينما قوات الإنجليز لم تعرف توحدها بعد لجشع ملكها الجديد، بفرضه المزيد من الضرائب على السكان للحصول على المال اللازم لخوض الحرب ضد الفرنسيين. حينها تتضح الصورة أمام روبن ويلقي بنواياه إلى الملك مباشرةً، ويقرر أن يساعد أهالي نوتنغهام وإنجلترا ويلملم شملهم للتصدي في وجه الفقر والأعداء.

لا شيء يعيب تقديم حكاية كيف انتقل روبن من رامي أسهم بارع إلى بطل شعبي مغوار، في الواقع هذا هو تحديداً ما يجدر أن نشاهده. من الجيد توليف علاقة بين الجمهور وبطل القصة والتعرف على القضية التي يدافع عنها، والطريق الذي صعد من خلاله ليؤول لمكانته الحالية والأسطورة التي بات عليها. يحاول السيناريو الذي وضعه بريان هيغلاند أن يضع حجر الأساس لتاريخ روبن هود بحبكة توائم عصر الحكاية وعصر المشاهد، هيغلاند عموماً يُعد من الكتاب الماهرين حالياً بملء الشاشة بشخصيات وأحداث عديدة متشابكة، وتكون عادةً ذات خصائص فنية وشكلية مثيرة للاهتمام. إلا أنه هنا يُخفق بوضع التوازن والإشباع المطلوبين لحجم المادة التي نطالعها على الشاشة، وهي أخطاء تجاوزها بسلاسة في أعماله الممتازة مثل (لوس أنجلوس سري) و(النهر الغامض). في تلك الأفلام، كانت كل شخصية تأخذ حقها على حدا، وتظهر بحجمها المناسب الذي يخدم الشخصية الرئيسة أو الموضوع الأول للفيلم، في (روبن هود) نلحظ أن كثرة الشخصيات والمجريات ينجم عنه تشوش وتلقائية وعجلة درامية لن تجعل من الفيلم يعيش أكثر من فترة صموده على شباك التذاكر.

وكما هي معظم أفلام التي خطها الكاتب، فإن نسخة روبن هود هذه تشترك معها بتلك النظرة “القاسية” على المجتمع البسيط المحتاج وجبروت السلطة المتحكمة ونزاعاتها الداخلية المتشعبة. سيسهل على المشاهد ملاحظة النوايا الحسنة التي تحذو العمل وعلى أكثر من صعيد، فليس كل يوم يتوفر لنا عمل بهذا الحجم وهو يحاول تقديم ما هو جديد عن شخصية طُبع اسمها وتكررت في أذهان الجمهور بغامراتها الشيقة الرومانسية، ولا يوجد مخرج في الوقت الراهن يبرع أكثر من ريدلي سكوت في المزج بين براعة تصوير المعارك وشدة النقد لأسباب الحروب وتبعاتها على الطبقة الكالحة من الأفراد (وهي محاولته الملحمية الثالثة خلال عشر سنوات بعد فيلمي المنازل ومملكة الجنة، ونقده الثاني للحرب على المسلمين). غير أن ثراء هذه المواضيع لا يعني ثراء الفيلم بها، جميع هذه القضايا تطرح بالطريقة التي توائم جمهور الأفلام الأمريكية المعاصر، حيث سرعة التنقل بين المشاهد والمواقع والأفكار والموسيقى العذبة، وكأن المشاهدين هم أيضاً من كتاب الفيلم فلا داعي للإسراف في الحديث عن الملك الأسد وعكا ولا عن علاقة جون بالمرأة الفرنسية، أو الطريقة التي تسلل بها غودفري كجاسوس فرنسي، ربما ظن ريدلي سكوت أننا شاهدنا هذه المسائل في أفلام أخرى سابقة فقرر جمع وشمل أكبر عدد من الأفكار الصغيرة لصنع فيلم كبير مُسلي يداعب الفكر من أطرافه وحسب. 

إما أن توظف هذه الأفكار لمناقشتها ولخدمة قصة البطل الذي عنونت فيلمك باسمهما، أو عليك توقع خروج الفيلم بلا هوية واضحة ليُعرف أو يتسم بها إلى الأبد. نسخة روبن هود هذه لم تتطلب من راسل كرو القيام بشيء سوى حضوره كممثل يشغل الشاشة بمواصفاته التي عُرف بها من جدية ورجولة يعتمد ويهتف لها الجمهور. في حين أن كيت بلانشيت توفر النعومة اللازمة والتفهم المطلوب لشخصية ماريون التي لم تعرف زوجها إلا لعشر أيام، قبل أن تكرس نفسها في العمل والعناية بوالد زوجها منتظرةً عودته المأمولة (الطريقة التي ينقل لها روبن خبر وفاة زوجها دون علمه بهويتها هو مثال صغير على واقعية هذا الفيلم مقارنةً بأفلام روبن هود الأخرى). لكنه ليس الفيلم الذي تنتظره من مخرج محنك كريدلي سكوت الذي سبق له أن ابتكر عوالم من الصفر، بأجوائها الخاصة وحبكاتها المثيرة (الكائن الغريب لعام 1979 يشرح ذلك). روبن هود الجديد هو استمرار لموجة الأفلام الأمريكية الطموحة بمعاييرها الإنتاجية والمكررة بمضمونها؛ فإن كنت ستسمي فيلمك بروبن هود، فابحث بجديد عنه، وليس عن أشياء كثيرة أخرى حوله.

Liked it? Take a second to support مهند الجندي on Patreon!

مهند الجندي

مُدوِّن وكاتب في مجال السينما

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: